مقالات

الإعلام المغاربي بين المصداقية والمسؤولية


في عصر تغير فيه العديد من المفاهيم الصحفية، وكذلك القيم الأساسية والضوابط الخاصة بهذه المهنة التي كانت في السابق سداً منيعاً لكل أشكال التهميش والفساد والظواهر السلبية التي تهدد كيان المجتمع وتشتت وحدته، وقد أصبحنا أمام نمط جديد من الصحافة الموجهة إلى قارىء لم يعد يبحث عن الإفادة والمطالعة بقدر البحث عن الأخبار… وأضحت الصحافة المكتوبة تنعت بأبشع النعوت والأوصاف من قبل جماهير عريضة من المجتمع، وبالرغم من التوضيحات والتفسيرات لمالكي الصحف عن الأسباب العميقة للتركيز على الموضوعات ذات الإثارة التي لا تتضمن أي إفادة للقارىء وإنما لجلب انتباهه ودفعه إلى الاطلاع على المضمون

ومن خلال هذا التغيير في التوجه الصحفي والذي يجد تبريرات واسعة لدى أغلب مالكي الصحف بدأ هناك اعتقاد أن الصحافة المكتوبة ابتعدت عن أهدافها الأساسية وانحرفت عن المسار الصحيح وتحولت إلى واجهة إشهارية من خلال كثرة الإعلانات في أغلب صفحات الجرائد. إنّ العمل الصحفي ليس مجرد هواية تقوم على المزاجية والهوى الشخصي، ولكن العمل الصحفي، في مفهومه الصحيح، أصبح اليوم مهنة معقدة ذات رسالة وهدف، وتقوم على قواعد وأسس بعيداً عن المزاجية والارتجال والاجتهادات الشخصية

ومما لا شك فيه أن مهنة العمل الصحفي اليوم تحكمها الأبجديات التي يتعلمها الممارس لهذه المهنة، سواء على مقعد الدرس والتحصيل العلمي في الجامعات والمعاهد المتخصصة، أو على محك التجربة والممارسة العملية في الميدان الواقعي، وعندما يفتقر العمل الصحفي المهني إلى هذه الأبجديات فإنه يفقد احترامه ومصداقيته. ولا شك أن ذلك يؤثر تأثيراً سلبياً على العلاقة بين الصحفي والمتلقي الذي تسعى الصحافة إلى الوصول إليه والتفاعل معه والتأثير فيه

والمتأمل في واقع بعض الصحف والمواقع المغاربية، يجد أنه كثيراً ما تغيب هذه الأبجديات أو بعضها في ميدان الممارسة الصحفية، مما يوقع القارئ في حيرة وقلق ويجعله يبتعد عن صحافته ويعيش في غربة معها. فقد أصبحت تطالعنا الصحف والمواقع الإلكترونية، من حين لآخر على مقالات وأخبار تثير أحياناً مشاعر المواطنين وتهز إحساس القارئين، فيتألمون للخبر الموصوف، ويتأسفون على المقال غير المألوف، صحافة تنشر قضايا أخلاقية، كانتهاك الأعراض والفجور وارتكاب المحرمات في أماكن مقدسة… وهذه الأخبار أو المقالات يذل بها الإنسان، ويخجل منها الشيطان. وقد اشتد الجدل في السنين الأخيرة حول نشر أخبار الجرائم بأنواعها في الصحف والمواقع الالكترونية، فراح البعض ينحي باللائمة على الصحف لما تفيض به من أنباء الجرائم ويتهمها بإفساد أخلاق الشباب ويدعو إلى الحد من هذا النشر الذي يسيء إلى البلاد والعباد، بينما ذهب آخرون إلى أن نشر هذه الجرائم لا تعدو أن تكون بعض ما يجري في المجتمع المغاربي كل يوم، وأن على الصحف والمواقع أن تنبىء الناس بأخبارها

والحقيقة أن أنباء الجرائم والقضايا الأخلاقية المحلية والدولية في الصحف والمواقع المغاربية قد أصبحت تحتل منها مكاناً بارزاً فيه كثير من التجاوز والمبالغة. وبعض الصحف والمواقع تندفع وراء الرغبة في النشر لكل الأخبار المثيرة التي تستهوي القارىء، فتضرب في الخيال وتبالغ في التصوير وتخترع المواقف وتجري على لسان المتهمين والشهود ما لم يصدر منهم أبداً، وبعضها يتخذ لنفسه سلطة التحقيق فيسأل الشهود ويستجوب المتهم ويتخذ من مآسي الناس مادة للتعليق المثير. وفي نظري، فالإعلام الحقيقي هو الذي ينشر الأخبار ويترفع عن الخوض في شؤون الناس الخاصة ويتجنب التشهير وإثارة الفضائح والأمور الفاحشة التي تمس حياء الناس ولا يقصد بها إلا الإثارة الشهوانية وإيقاظ الميول السافلة

فحرية الصحافة لا تكون في الاعتداء على حرية الآخرين، والكلمة التي تنشر في الصحف والمواقع وتسيء إلى شخص بريء لا يمحى أثرها من الأذهان، والتجني والتشهير والمبالغة ليس من شيمة الصحف والمواقع الحرة التي تؤمن حقاً بالحرية، وهذه الحرية التي قد يعتدى عليها بالنشر هي حريتك وحريتي وحرية كل شخص. فمنذ كانت الصحافة وهي تهدف إلى خدمة الوطن وهي سبيل للتقويم منار للتهذيب والتعليم، دليل للنصح والإرشاد، مشعل للرأي الحر من غير إثارة الأحقاد… وكلما تميزت الصحف والمواقع الإلكترونية بالصدق في نقل الأخبار وتنبيه أولى الأيدي والابصار، إلا وكبرت في أعين الصغار والكبار، فازداد صيتها، وتعطش الناس لقرائتها، وتهافتوا على التشكي إليها والاحتماء بها، فإن هي زاغت عن تلك الأهداف، أصبحت تجارة تبتغي الربح وتستهدف تكوين الأحلاف، وتسعى إلى تشجيع الجريمة والانحراف، ومن هنا كان نشر بعض المقالات والأخبار المسيئة للذوق العام أمراً محظوراً والخوض في تفاصيلها عملاً مذموماً، وقد يصل الأمر إلى حد فقدان القارئ الثقة فيما تقدمه هذه الصحافة، وبذلك تفقد عنصراً هاماً من عناصر نجاحها وهو عنصر المصداقية

إنّ من أولى أبجديات الصحافة التي يتعلمها الصحفي الممتهن أن الخبر الصحفي لا أهمية له إلا بقدر صلته بالقارئ، وتلبيته لحاجاته وتعلقه بواقعه وظروفه ومشكلاته. فكثيراً مما ينشر في هذه الصحافة والمواقع الإلكترونية، لا يعبر عن الاهتمامات الحقيقية لجمهور القراء، بل إننا نجد في كثير من الأحيان أن بعض الصحف والمواقع تنشر أخباراً تصطدم مع قيم القراء وسلم أوَّلياتهم. ففي السابق اعتمد الصحفيون على مقاييس موضوعية في اختيار الموضوعات المراد نشرها في الصحف وهي الآتي:

1 ـ الآنية : وتعني الموضوعات المستجدة في الواقع والتي قد حدثت أو تحدث أو ستحدث

2 ـ القرب الجغرافي: ويعني علاقة الحدث بقارىء الصحيفة أو الموقع، وبمعنى أوضح أن الحدث من اهتمامه

3 ـ الجـدّة : ويعني أن يكون الموضوع جديداً وجديراً بالمتابعة

وتعتبر هذه المقاييس الأهم من جملة المقاييس الأخرى التي اتبعها الصحفيون في عملية اختيار الموضوعات في السابق قبل أن تطرأ عليها تغييرات في عصرنا هذا، ولعل الأهم في ذلك الجانب التجاري الذي طغى على أغلبها وأصبح المقياس الأول عند الصحفي في الوقت الحاضر، ومن نتائج هذا التغيير في المفاهيم بروز طابع الإثارة والتشويق في طرح الموضوعات إلى حدّ أنها أصبحت ضرورة عملية ومحدّداً لنجاح الصحفي. وبالرجوع إلى تعريف الإثارة والتشويق نستنتج أنهما يعطيان للشيء بعداً أو حجماً أكبر في الاتجاه السلبي أو الإيجابي مما تضفي لدى القارىء إذا ما وظفت في الصحافة حب الاطلاع والمعرفة

لقد تعلمنا أن من أبجديات العمل الصحفي أن يسعى الصحفي إلى الخبر، لا أن ينتظر الخبر ليصل إليه جاهزاً معلباً، سواء من وكالات الأنباء المحلية أو الأجنبية، أو من مكاتب العلاقات العامة في الدوائر أو الشركات، أو من طرق شخصية بعضها شريف وبعضها الآخر فيه امتهان لرسالة الصحافة ودورها الرائد الموجه في المجتمع. إنّ نظرة فاحصة إلى بعض الصحف والمواقع الإلكترونية المغاربية، تدلنا على أن هذه الأبجدية تكاد تكون شبه غائبة في الممارسة الواقعية، كما أن العمل الصحفي في معظمه عمل مكتبي معزول عن حركة الحياة والواقع، وينطبق هذا على القضايا المحلية التي تهم القارئ، إذ لا يستقطب كثير من هذه القضايا المحلية عناية الصحافة إلا بقدر محدود، ولا تحظى إلا بخدمة شحيحة ومتابعة مبتسرة تبعاً للنَفس الضيق والمستعجل للعاملين في الصحافة، وهم في معظمهم من المراسلين والمتعاونين الذين يعدون العمل الصحفي أمراً ثانوياً يحققون عن طريقه مصالح شخصية لا أكثر. ومن هذا المنطلق تغيرت المفاهيم والقيم الصحفية التي كانت تميز العمل الصحفي، وأصبح اهتمام الصحف والمواقع الإلكترونية مرتكزاً على الموضوعات ذات الطابع الاستهلاكي الكمي دون النوعي، وهو ما انعكس على ثقافة المتلقي، الذي تعود على نوعية محتوى صحفي ذي الاستهلاك الفوري، كأخبار مشاهير الفن ونجوم الرياضة التي تملأ أعمدة الصحف اليومية

إن مشكلة غياب العديد من أبجديات العمل الصحفي في بعض الصحف والمواقع المغاربية مردها إلى عوامل عديدة، من أهمها الاعتماد شبه التام على المصادر الثانوية في الحصول على الخبر والمادة الصحفية من وكالات أجنبية ووسائل قد لا تدرك طبيعة العمل الصحفي ورسالته. ومن تلك العوامل أيضاً غياب الرؤية المهنية الواضحة للعمل الصحفي ورسالته لدى المؤسسات الصحفية والقيادات التي توجه هذه المؤسسات. إذ أنها ـ في معظمها ـ تبحث عن الأسهل والأيسر والأقل تكلفة، فهي تنظر إلى الصحافة نظرة تجارية أكثر من أنها رسالة ومهنة ذات مسؤولية اجتماعية، كما أن غياب المعرفة الحقيقية بالقارئ المتلقي للمادة الصحفية، وفقدان الدراسات الميدانية التي تكشف عن اهتمامات القارئ وتوجهاته يؤدي إلى استمرار حالة (السلق) الصحفي الذي يتسم به كثير من الأعمال الصحفية المغاربية. ويبقى أخيراً عامل هام، وهو افتقار الساحة الصحفية إلى صحفيين مبدعين يحملون هم الرسالة الصحفية ويعشقونه، ويعرقون من أجله ويكافحون ويناضلون في سبيل أن يحصلوا على الخبر ذو المصداقية والموضوعية، وأن يتابعوه ويخدموه ليقدموه بعد ذلك إلى القارئ المتلهف في طبق شهي بعيداً عن الإثارة والإسفاف، تفوح منه رائحة العناء والتعب

إننا إذا أردنا للعمل الصحفي في صحافتنا ومواقعنا المغاربية أن يرتقي ويتطور فلا بد لنا من أن نعيد إليه أبجدياته التي لا غنى عنها، وحينئذ يحق لنا أن نقول أن لدينا عملاً صحفياً حقيقياً يحقق رسالته في المجتمع بتنويره وخدمته وحفزه إلى التطلع نحو المستقبل.

نعم ليبيا – بوابة أفريقيا الإخبارية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق