مقالات

ما هي العقبات التي تواجه اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا؟….منصف السليمي

الاتفاق بين سلطتي طرابلس الغرب وشرق ليبيا على وقف إطلاق النار وتنظيم انتخابات هو بمثابة ضوء يلوح في آخر نفق الأزمة الليبية, لكن العقبات كثيرة على طريق التسوية و ما من سبيلٍ لتجاوزها سوى بزوغ وجوه وقيادات جديدة

لقد لاحت حلحلة للأزمة الليبية في الآونة الأخيرة عبر إعلان المجلس الرئاسي في طرابلس ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح موافقتهما على اتفاق لوقف إطلاق النار ويتضمن الاتفاق وقفاً فورياً لكل العمليات العسكرية ومباشرة حوار سياسي وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في آذار المقبل حيث يرى المراقبون الاتفاق توافقاً نادراً بين القوى الكبرى تمهد لإنهاء الحرب.

ومع ذلك لا يمكن إنكار وجود عقبات فقد رفض الرجل القوي في الشرق الجنرال خليفة حفتر اتفاق وقف إطلاق النار، كما رفعت حكومة الوفاق الوطني بطرابلس فيتو على مشاركته حفتر في أي تسوية سياسية تتعلق بمستقبل ليبيا, فلماذا لا يجنح الطرفان وبشكل صريح وحاسم إلى القبول بتسوية سياسية يمكن أن تحقن دماء الليبيين وتمنحهم فرصة إعادة بناء البلاد وطي صفحة حرب مدمرة استمرت لعشر سنوات؟

ثمة مؤشرات على أن قبضة النخب الحاكمة بدأت ترتخي سواء في غرب البلاد أو شرقها فالاحتجاجات التي تشهدها العاصمة طرابلس تعتبر غير مسبوقة منذ سنوات وتركز شعاراتها على الاحتجاج على الفساد وتدهور الأوضاع المعيشية, كما أن مساءلة حكومة السراج في قضايا الفساد ليست فقط مطلبا محلياً للمحتجين بل هي محور أساسي لملاحظات تطرحها مؤسسات دولية وعواصم غربية منذ فترة, وإذا ما تم ربط مشكلتي الفساد وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمسألة السلطة الأمنية والحريات على غرار ما تضمنه بيان بعثة الأمم المتحدة فإن ذلك يعني أن المنظومة الأمنية والسياسية التي تحكم غرب البلاد في مواجهة ضغط محلي ودولي قد لا تحتويه التغييرات “العاجلة” التي أعلن عنها السراج.

في المقابل فقد ظهر في شرق ليبيا مؤشر آخر وهو بدوره غير مسبوق فقد تكشّف تباينٌ واضح في الموقف من اتفاق التسوية المعلن عنه مع طرابلس بين قطبي المشهد السياسي والعسكري في شرق ليبيا الجنرال حفتر قائد قوات “الجيش الوطني الليبي” بنغازي وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب طبرق, وتفيد مؤشرات عديدة على أن الخلاف يشمل أيضاً الأطراف الداعمة لمحور الشرق إذ تدعم موسكو موقف عقيلة صالح بينما تدعم دولة الإمارات موقف الجنرال حفتر أما مصر فهي باتت أقرب لموقف رئيس مجلس النواب.

ويرى مراقبون بأن طرفي النزاع المباشرين والقوى الخارجية الداعمة لهما تسعى إلى الإبقاء على حالة ضغط عسكري لاستخدامه كورقة تفاوضية لتأمين مصالحها من جهة ولطمأنة القوى المحلية المتحالفة معها من جهة أخرى والتي يمكن أن يكون دورها مهدداً في أي ترتيبات مستقبلية, ذلك أن التوافق على الاقتراح الأمريكي بجعل سرت والجفرة منطقة منزوعة السلاح بقدر ما يعني لدول تتحرك من أجل تسوية سلمية مثل ألمانيا والعواصم المغاربيةنزع فتيل حربٍ أخرى مدمرة، فهو يعني في المقابل للأطراف المتدخلة عسكرياً بشكل مباشر سواء المحلية أو الخارجية سحب ورقة تأثير استراتيجية على منطقة الهلال النفطي التي تملك بفضلها ليبيا عضو منظمة أوبك أكبر احتياطات نفطية في أفريقيا فقبل سنة 2011 كان معدل الإنتاج اليومي 1,6 مليون برميل، ولمعظم القوى الإقليمية والعالمية المتصارعة في المسرح الليبي حالياً مصالح نفطية في هذه المنطقة التي تقع على مشارف أوروبا وقد أظهرت الأحداث الأخيرة تأثير العامل النفطي في ميزان القوى بين سلطتي طرابلس والشرق وفي شعور السكان المحليين بالاستقرار

ليبيا بحاجة إلى وجوه جديدة:

إثر مؤتمر برلين في كانون الثاني 2020 تم الاتفاق على تنظيم حوار في جنيف بين الأطراف الليبية حول مستقبل البلاد بإشراف بعثة الأمم المتحدة لكن تلك المحادثات أُجهضت في مهدها وأعقبتها استقالة المبعوث الأممي غسان سلامة وجلُّ ما رشح إبانها إعلاميا عن أسباب فشل تلك المحادثات، تعلق بالشروط السياسية وبتمثيلية الأطراف وموازينها, بيد أن سبباً آخر مهما في تعثر تلك المحادثات وإفشالها يتمثل في دعوة قيادات ليبية عسكرية وسياسية وقبلية ومحلية وهي من الصف الثاني للمشاركة في المحادثات وكان التقدم في تلك الخطوة سيساهم في خلق أرضية من التفاهم بين الليبيين.

في ظل المعطيات الجديدة تمتلك فرص المفاوضات حول تسوية الأزمة الليبية برأي محللين حظوظ نجاح أكبر مما كانت عليه في شباط الماضي ليس فقط لجهة إمكانية إقناع أطراف الأزمة بقبول حلول توفيقية، بل أبعد من ذلك بإمكانية تحقيق اختراق في ترتيبات مستقبل ليبيا لما بعد الحرب وهذا يمكن أن يتم عبر توفير مصالح ومكاسب للأطراف الخارجية المتدخلة في الصراع سواء في المنطقة النفطية أو فيما يتعلق بفرص المشاركة في عمليات إعادة إعمار ليبيا.

أما على الصعيد الليبي الداخلي فإن الأنظار ستتجه إلى البحث عن وجوه ونخب جديدة لقيادة المرحلة المقبلة عبر ليس فقط الاعتماد على الانتخابات والدستورـ رغم أهميتها, بل عبر الاعتماد على آليات وشرعيات مجتمعية أخرى وفي مقدمتها شيوخ القبائل وكفاءات وقيادات شابة في المجتمع المدني وفي الأقاليم وفي الشتات الليبي الذي بات يشكل حوالي ثلث الشعب الليبي وهو موزع بين أوروبا وبلدان عربية وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية. بيد أن مهمة التوصل إلى صفقة سياسية تخرج ليبيا من أزمتها وحرب الوكالة التي تغرق فيها منذ خمس سنوات ستواجهها مطبات كثيرة في مقدمتها مسألة إعادة بناء قوات الجيش والأمن وتفكيك الميليشيات وتحييد المرتزقة، إضافةً إلى ثقل وتأثير القوى الخارجية وارتهان قوى داخلية عديدة بداعميها الخارجيين.

نعم ليبيا-قناة دي دبليو الألمانية

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق