ليبيامقالات

الأزمة الليبية خارج اهتمامات الطبقة السياسية في تونس

تحت هذا العنوان كتب أسامة رمضاني  في النهار العربي قال فيه :

كانت للتطورات في ليبيا منذ سقوط نظام حكم العقيد معمر القذافي سنة 2011 انعكاساتها السلبية على جارتها الغربية تونس وإذا كان الانتقال الديمقراطي الذي عاشته البلاد التونسية منذ ذلك التاريخ هادئاً نسبياً فإنه لم يخل من المصاعب التي زادتها الأزمة الليبية تعقيداً.

 تحملت تونس منذ الأشهر الأولى للأحداث التي أدت لسقوط نظام القذافي عبء مئات الآلاف من اللاجئين من العمالة الأجنبية المقيمة في ليبيا وأعداداً من الليبيين الفارين من وطأة المعارك إثر الحملة العسكرية التي شنها الحلف الأطلسي.

 لم تطل مشكلة اللاجئين كثيراً ولكن تلتها مشكلات أخرى كانت أكثر مدعاة للقلق بالنسبة لتونس. من بينها الشاغل الأمني الذي يستمر إلى الآن.

وجدت السلفية الجهادية في تونس بعد 2011 في اتساع رقعة العنف واستشراء فوضى السلاح والميليشيات في ليبيا مناخاً ملائماً للتمدد عبر الحدود من أجل نقل الأسلحة والعتاد بأنواعه وإرسال المقاتلين إلى ليبيا سواء لمعسكرات التدريب هناك أو للعبور بالآلاف نحو سوريا والعراق.

وحتى إن أخذت السلطات التونسية الخطر بجدية متزايدة خصوصاً بعد 2014 فإن بعض الجهاديين التونسيين الذين أقاموا أو تدربوا في ليبيا لم يلبثوا أن تورطوا لاحقاً في عمليات إرهابية في تونس أبرزها اعتداءان دمويان على رواد المتحف الوطني في ضاحية باردو وعلى السياح الأجانب في منتجع سوسة الساحلي سنة 2015.

خلّف الهجومان عشرات الضحايا وتلتهما محاولة فاشلة ولكنها غير مسبوقة من تنظيم “الدولة الإسلامية” انطلاقاً من الأراضي الليبية من أجل السيطرة على مدينة بن قردان الحدودية وإقامة موطئ قدم في تونس انطلاقاً من هناك.

 وسارعت السلطات العسكرية التونسية بتعاون أميركي ألماني إلى إقامة حاجز ترابي وإلكتروني على طول 200 كيلومتر من الحدود التونسية الليبية التي تمتد على مدى 500 كيلومتر تقريباً. وإن كان الحاجز الصحراوي والتدابير الأمنية المرافقة قد حدّت من خطر تسرب الإرهابيين فإنها لم تنه المخاطر المحدقة من جراء تواصل انتشار الميليشيات المسلحة والمجموعات الجهادية في ليبيا والتي تفاقم خطرها خلال الأشهر الأخيرة بوصول الآلاف من المرتزقة والمتطرفين من سوريا خصوصاً أن التقارير تتحدث عن المئات من بينهم (إن لم يكن الآلاف) من التونسيين.

إضافة إلى البعد الأمني كان للتطورات في البلد المجاور انعكاسات اقتصادية ثقيلة على تونس اذ أدت الأحداث في ليبيا إلى انخفاض كبير للمبادلات التجارية وانقطاع تدفق العاطلين من العمل من تونس نحو ليبيا وعودة التونسيين العاملين في ليبيا. وكبّد ذلك الاقتصاد التونسي خسائر تقدر ببلايين الدولارات إضافة إلى كلفة المجهود الأمني والعسكري على الحدود.

 وازدادت الأزمة حدة هذه السنة بعد جائحة كورونا التي أدت إلى غلق المنافذ الحدودية غلقاً شبه كامل أمام التجارة النظامية وغير النظامية وكذلك توقف عبور الليبيين إلى تونس.

 غير أن المفارقة اللافتة للنظر في هذا الخضم من المستجدات هي أن الأزمة الليبية برغم انعكاساتها الواضحة على الوضع في تونس بقيت خارج الاهتمامات المركزية للطبقة السياسية فيها.

 ولم يغيّر من ذلك وجود عشرات الآلاف من الليبيين المقيمين في المدن التونسية إذ بقي هؤلاء بمختلف انتماءاتهم في عالمهم الخاص بهم وخارج المنابر السياسية والإعلامية في تونس. حاولت الحكومات المتعاقبة أن تتابع الملف الليبي عن كثب خلال السنوات الأخيرة ولكنها وجدت نفسها تدريجياً أمام هامش تحرك محدود جداً نتيجة استئثار القوى العظمى والقوى الإقليمية بقرارات الحرب والسلم في ليبيا. وقد اتّضح ذلك جلياً خلال الإعداد لمؤتمر برلين حول الأزمة الليبية في كانون الثاني (يناير) الماضي عندما “غفلت” ألمانيا البلد المنظم للمؤتمر حتى آخر لحظة عن دعوة تونس والبلدان المغاربية الأخرى للحضور.

ويقول مصدر دبلوماسي في تونس إن ألمانيا أرادت أن تجمع فقط البلدان المتدخّلة على الميدان في ليبيا لإقناعها بعدم عرقلة الحل السلمي واستثنت المقاربة الألمانية في مرحلة أولى بلاد المغرب العربي التي كانت “مبادراتها دبلوماسية فقط”. وقد أثر الوضع المعقد في ليبيا على مواقف تونس الرسمية التي اتّسمت بالحذر الشديد إلى حد جعل فهم هذه المواقف مستعصياً على الفاعلين السياسيين والرأي العام.

 تقول مصادر حكومية إن الاهتمام الحكومي المعلن وغير المعلن بقي مركّزاً على مخاطر تسرّب المتطرفين أو امتداد المعارك من ليبيا إلى تونس. وتقول هذه المصادر إن الانعكاسات الأمنية للأزمة الليبية كانت ولا تزال نقطة ثابتة في جدول أعمال الاجتماعات الحكومية المنعقدة عادة على مستوى كبار الموظفين من أجل متابعة تطورات الأزمة الليبية وانعكاساتها على تونس ولَم يؤثر في هذه المتابعة عدم الاستقرار الحكومي المزمن.

وقد أعدّت هذه الاجتماعات خططاً لمواجهة أي طوارئ مشابهة للوضع الذي كانت قد شهدته البلاد من حيث تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين.

أما التحرّك من أجل احتواء الخسائر الاقتصادية الناتجة من فقدان سوق الشغل واختفاء وجهة للصادرات التونسية فقد بقي متعثراً ومقيداً بجملة من الاعتبارات من بينها تخوّف رجال الأعمال من المخاطر الأمنية في ليبيا (بما فيها تدخل الميليشيات المسلحة في عمليات التجارة والتهريب) والتعقيدات الإجرائية التي أجبرت بعض المصدّرين التونسيين أحياناً إلى نقل بضائعهم إلى ليبيا المجاورة عبر الموانئ التركية. وزاد الطين بلة غلق الحدود نتيجة جائحة كورونا.

الكثير من رجال الأعمال التونسيين والناشطين الاجتماعيين ينتقدون “الغياب الرسمي” التونسي في ليبيا. وينحو مصطفى عبد الكبير رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان باللائمة على الحكومة التونسية التي يراها “فاقدة لأي إستراتيجية في ليبيا  في الوقت الذي غزت فيه المنتجات التركية والروسية وغيرها السوق الليبية وانحسر نشاط الكثير من المصحّات التونسية التي كانت متخصصة في علاج الليبيين في العديد من المدن مثل تونس وجربة وصفاقس وجرجيس.

 ولا يرى عبد الكبير أي مبادرات مقنعة من السلطة لمواجهة الانعكاسات الكارثية على سكان المناطق الحدودية “حيث يجد الشباب أنفسهم في كثير من الأحيان بين البطالة والهجرة غير الشرعية.

 ومهما كان مدى الغياب الحكومي فإنه لا يقارَن بغياب الطبقة السياسية بشكلها الأوسع والتي تبدو في معظم الأحيان منشغلة فقط بالقضايا الداخلية المرتبطة بحساباتها السياسية أو بالأزمة المتعددة الأوجه التي تواجهها البلاد أكثر من اهتمامها بأي ملف خارجي مثل الملف الليبي حتى وإن كانت لهذا الملف تداعياته المباشرة على البلاد.

الاستثناء الوحيد مثّلته الحالات التي شكّل فيها الملف الليبي محوراً للمناكفات السياسية مثلما كانت الحال بالنسبة للانتقادات التي وجهها لرئيس البرلمان راشد الغنوشي معارضوه السياسيون بعد تهنئته لرئيس حكومة الوفاق فائز السراج باسترجاع قواته المسنودة تركياً سيطرتها على قاعدة الوطية غربي ليبيا.

ولا يرى وزير الخارجية الأسبق خميس الجهيناوي في انصراف السياسيين التونسيين عن الشأن الليبي موقفاً مقبولاً. ويقول إن “اهتمام الطبقة السياسية بالوضع الداخلي التونسي وتحديات الانتقال السياسي والاقتصادي لا يمكن أبداً أن يمثل عذراً مقبولاً لتراجع التركيز على الملف الليبي أو لتهميش دور تونس في المساعدة على إيجاد حل للمسألة الليبية. فأمن ليبيا واستقرارها من أمن تونس واستقرارها”.

قد لا تجد ضمن الطبقة السياسية من يجادلك في هذا المبدأ ولكنك لا تجد في نقاشات الساسة الكثير من المساهمات الجدية على صعيد استقراء الوضع في ليبيا وتحركات القوى الإقليمية والدولية (حتى وإن كانت قرب الحدود التونسية) أو لمشاريع التسوية هناك.

وإن كان من المفهوم أن لا تهتم طبقة سياسية في بلد ما بقضايا لا ترتبط بانشغالات ناخبيها فإن الأزمة الليبية لها انعكاسات ملموسة على شرائح واسعة من الناخبين ومن الفاعلين الاقتصاديين في تونس وإن كان هؤلاء لم يستطيعوا حتى الآن إيصال رسائلهم الملحة للسياسيين.

 ولا يجد السياسيون مراكز البحوث المستقلة المختصة التي يمكن أن تنجز الدراسات والتحليلات حول القضايا الإقليمية والدولية ومن بينها التطورات العسكرية والإستراتيجية الحاصلة في ليبيا المجاورة. وغياب مراكز البحوث المستقلة يعني غياب آليات يمكن أن تلعب دور همزة الوصل بين النّخب الحاكمة بمختلف أجيالها وأفراد الطبقة السياسية الواسعة من جهة والرأي العام من جهة أخرى.

 وتبقى مثل هذه المراكز غائبة عن الساحة في تونس برغم توافر الكفاءات وحرية النقاش السياسي. ويعود غيابها إلى أسباب عدة من بينها عدم توافر مصادر التمويل لمراكز البحوث المستقلة وعدم وجود تقاليد بحثية غير حزبية أو رسمية حول القضايا السياسية والدبلوماسية وكذلك تأخر المصالحة الوطنية الشاملة التي كان من شأنها أن تفتح الباب أمام الجميع للمساهمة بالرأي والتحليل ما يبقي “الخبرات التونسية في الشؤون الدولية ثروة وطنية مهمّشة حسب تعبير أحد المحللين الدبلوماسيين.

مهما كانت نوعية العوامل المتداخلة فإن النتيجة هي وجود مسافة سيكولوجية كبيرة بين الطبقة السياسية في تونس والوضع الليبي وهي مسافة لا تتناسب والتحدّيات القائمة والترابط في المصالح بين البلدين. ولكن برغم المصاعب الحالية فإن الآفاق المتاحة كبيرة على الأقل نظرياً. وبعض هذه الآفاق اقتصادية بالطبع وتستند إلى عوامل القرب الجغرافي والتقاليد التجارية وهي تقاليد تسعى منظمات رجال الأعمال والاتحادات المهنية لإحيائها.

 ولكن الآفاق الحقيقية لن يفتحها إلا انتهاء النزاع المسلح في ليبيا حيث عودة الاستقرار هناك قد تكون المخرج الرئيسي إن لم يكن الوحيد لتونس من أزمتها الاقتصادية الخانقة.

 في الأثناء يتحمّل السياسيون التونسيون اليومَ مسؤولية كبيرة في تيسير فهم أفضل للملف الليبي وردم المسافة السيكولوجية غير المبررة التي تفصل معظمهم عن أوضاع البلاد الجارة.

نعم ليبيا- النهار العربي  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق